القاضي عبد الجبار الهمذاني

17

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وأما من قال في العصمة : إنها المنع من الإقدام على القبيح ، فقوله في أنه يبطل « 1 » بمنزلة قول المجبرة فيما قدّمنا ذكره في القدرة ، لأن المنع إذا أوجب عنده على كل وجه أن لا يقع القبيح ، زال اختيار المكلف فيه ، وخرج من أن يكون ممتنعا لأجل ما قيل إنه عصمة ، بل يجب كونه ممتنعا لأنه لم تفعل فيه القدرة والتمكين ، أو لأجل منع حادث فعل فيه ، فكيف يقال فيه هذا القول ؟ وبعد فإنا نتكلم في هذا الباب بعد صحة التكليف ؛ وقد بيّنا أن من شرائط صحته تقدّم التمكين ، فلا يعدّ ذلك في الألطاف ، وإنما الّذي يدخل فيها ما يقتضي إيثار بعض ما يمكن منه على بعض . فلذلك قلنا إنها الدواعي على الوجوه التي تقدّم ذكرها . واعلم أن الّذي نقوله في هذا الباب مما يشهد بصحته العقل ، ويقتضيه القول بالعدل ، وذلك أنه تعالى إذا جعل المكلف على الأوصاف التي معها لا بدّ من أن يكلفه ، وجعله ممن سبق الإقدام عليه والامتناع منه ، وأراد منه ما كلفه لكي يعرّضه للمنفعة ، فلا بدّ - إذا كان هذا قصده - من أن يفعل ما به يتمّ الأمر الّذي قصده . وقد علمنا أن ذلك لا يتم إلّا بسائر وجوه التمكين ، فلا بدّ من أن تمكينه بها أجمع ، وإلا كان ذلك ناقضا للتكليف ومؤثّرا في حكمة المكلّف . وكذلك إذا علم أن التمكين مع المعرفة بالأفعال والتمكن من إيجادها ، فقد تقدّم على الواجب ، وقد يعدل عنه ، وكل ذلك صحيح فيه . ومتى خلق له ، وله اختيار الإقدام دون العدول ، فقد صار ذلك يتضمنه التكليف من جهة الحكمة ، ولكن لا ينتقض الغرض فيه بمنزلة نفس التمكين . ألا ترى أن أحدنا إذا أحب من ولده / التعليم ، فمكنه بوجوه التمكين من ذلك بإيجاد مؤدّب ومعلم

--> ( 1 ) أي في قوله : إن هذا القول باطل .